CRIS MAYER dans l’arène
توفيق هدنة مهندس معماري ومخطّط عمراني، يمتلك قرابة خمسة وثلاثين عاماً من الخبرة في مجالات الهندسة المعمارية والهياكل الكبرى والتراث، وخصوصاً العمارة الحضرية بوصفها علماً لإدارة المدينة واستعمالاتها وتوازناتها. يعمل اليوم مستشاراً، ويكتب ويحلّل قضايا العمران في الصحافة والإذاعة. في هذا الحوار، يتوقف هدنة عند ملف السوق المغطّى بسطيف بعد حريق 2022، متحدثاً عن “المشكل الحقيقي” كما يراه: منطق التسيير، والدراسة التقنية، والقرار العمومي، لا مجرد حكاية تماس كهربائي وانتهى الأمر.
حوار صحفي
السوق المغطّى في سطيف: مشروعٌ يتعثر بين الإهمال والدراسة الخاطئة
المحاور
تتحدث كثيراً عن المدينة بدقة، لكن حين يتعلق الأمر بالسوق المغطّى نلمس مرارة واضحة. لماذا؟
توفيق هدنة
أن السوق المغطّى ليس مجرد مبنى. إنه جزء من قلب المدينة، ومرفق يومي يمسّ الصحة والاقتصاد الشعبي والحركة والأمن وصورة سطيف. حين يختلّ هذا المرفق، لا يكون الأمر تفصيلاً، بل مدينةٌ كاملة تخرج عن توازنها. وما يزيد المرارة اليوم هو أن شهر رمضان يقترب. أقرأ تعليقات الناس، أسمع حديثهم، وأشعر بوضوح بهذه الحسرة الجماعية: أن يمرّ رمضان آخر على سطيف من دون سوقها المغطّى، ذلك الفضاء الذي كان جزءاً من طقوس المدينة، من استعداداتها، من إيقاعها اليومي في هذا الشهر بالذات. والمرارة لا تأتي لأن ما حدث كان قدراً لا يُتوقّع، بل لأننا نتحدث عن سلسلة إهمال: ترك، ثم حريق، ثم هدم بلا منهج، ثم سنوات من الفراغ والتخبّط الإداري. في النهاية، لا تغيب الجدران فقط، بل تتهاوى القدرة على تسيير مشروع عمومي.
المحاور
قبل الحريق، كيف تصف الوضع الحقيقي للسوق؟
توفيق هدنة
كان السوق مشكلة قبل الحريق. مثل كثير من أسواق سطيف: نظافة، احتلال غير قانوني، انعدام الأمن، صعوبة الوصول، وثقافة عامة قائمة على “ترك الأمور تمضي”. البلدية كانت تُسيّر الأماكن على الورق، لكن بعد ذلك تغيب الرقابة الميدانية. الوضعيات غير القانونية ترسّخت بمرور الوقت، وبقيت الحلول ترقيعية.
المحاور
الحريق وقع في أوت 2022. كيف تقرأون ما حدث؟
توفيق هدنة
اندلع الحريق ليلة 29 إلى 30 أوت 2022، حوالي الساعة 05 صباحاً. السبب الرسمي: تماس كهربائي. والحمد لله لم تُسجّل خسائر بشرية، لكن المبنى دُمّر إلى حدّ كبير. غير أن اختزال الأمر في “تماس بسيط” يُغلق الملف بسرعة. الشبكة الكهربائية خضعت لتحويلات متكررة دون رقابة جدية. وفي ذلك اليوم كانت الحرارة مرتفعة جداً، ومعها تكاثر الأجهزة الفردية، خاصة المكيفات، فكانت الحمولة الكهربائية مرشّحة للانفجار.
المحاور
تقولون إن الخلل الحقيقي بدأ بعد الحريق. كيف؟
توفيق هدنة
بعد الحريق قيل: “تماس كهربائي”، ثم أُغلق الملف. بينما في مثل هذه الحالات يجب أن يكون هناك تحقيق جدّي، لأن مسؤولية البلدية والمصالح التقنية قائمة: غياب رقابة، تساهل في التحويلات، ضعف متابعة. تحقيق جدي يمكن أن يصل إلى مسؤوليات إدارية وتقنية. في سطيف، هذا النوع من المسارات لا يُفتح أصلاً. يُترك الملف يمرّ.
المحاور
هل كانت إعادة البناء ممكنة دون هدم؟
توفيق هدنة
طُرحت فكرة الحفاظ على الهيكل، لكن الحريق بدرجات حرارة عالية جداً أضعف الخرسانة المسلحة، والمياه المستعملة في الإطفاء زادت الصدمات الحرارية. تقنياً، صار الهيكل غير قابل للاعتماد. ثم وقع الهدم بطريقة معتادة للأسف: دون مخطط واضح ودون رؤية حضرية شاملة.
المحاور
بعد أكثر من ثلاث سنوات، ما الذي حدث فعلياً؟
توفيق هدنة
نهاية 2025، ولا شيء ملموس. أكثر من 170 تاجراً تضرروا، والقانونيون منهم لا يتجاوزون العشرين. البقية دخلوا في شبكة عقود متداولة لم تُضبط يوماً بشكل فعلي. أطلقت مقاربة أولى بميزانية محددة، ثم ظهرت رغبة في “تكبير المشروع”. مؤسسة كوسيدار قدّمت مشروعاً متعدد الطوابق مع مواقف ومساحات استغلال. لحسن الحظ، لم يُعتمد لأنه كان سيشوّه وسط المدينة.
المحاور
وماذا عن المشروع الذي تم اعتماده لاحقاً؟
توفيق هدنة
هنا بيت القصيد. المشروع المعتمد لا ينسجم مع وسط المدينة، ولا يلبّي متطلبات سوق عصري، ولا يحترم الميزانية الواقعية للبلدية. هو مشروع ثقيل وضعيف التصور، أشبه بمستودع. ثم يحدث العكس: عندما تفشل المناقصة ويُقال “غير مجدية”، يُراد تحميل الشركات المسؤولية. هذا غير صحيح. إذا عجزت الشركات الجدية عن تقديم عروض، فالمشكل هو الدراسة لا الشركات. وإلى اليوم، هذه الدراسة ما تزال فوق مكتب الوالي، وهذا هو محور الانسداد.
المحاور
قدمتم أنتم مشروعاً بديلاً. ما الذي يميّزه؟
توفيق هدنة
مشروعي صُمّم لتجنّب هذا المأزق: مبسّط، عقلاني، خالٍ من الزوائد التي ترفع الكلفة دون قيمة. التزم بميزانية البلدية، مع آجال أقصر ومنهج حديث في الإنجاز. القول إنه مناسب ليس ادعاءً، بل منطقاً: قابل للتنفيذ وقابل للتسيير.
المحاور
ما هي خطوطه الكبرى؟
توفيق هدنة
هو إعادة هيكلة للسوق ومحيطه، لا إعادة بناء مبنى فقط:
• ثلاث طبقات لمواقف تحت الأرض، منها طبقة لغرف التبريد،
• طبقة للفواكه والخضر واللحوم،
• طبقة علوية للمقاهي والمطاعم الصغيرة وبيع الأعشاب والفواكه الجافة،
• سطح بألواح شمسية لتغطية جزء من حاجيات السوق والإنارة العمومية.
ومع ذلك، هناك مقترحات حضرية مكمّلة:موقف سيارات تحت ساحة المسجد، ونفق مروري تحت شارع الفداء يربط بين شارع جيش التحرير الوطني وشارع الشيخ العيفة، إضافة إلى تحويل الشوارع المحيطة بالسوق إلى مساحات مخصّصة للمشاة. الهدف من ذلك هو تحرير السطح، تمكين الحي من التنفّس، وإعادة السوق إلى دوره الطبيعي كقلب حضري نابض، لا كنقطة اختناق مروري وعمراني.
المحاور
ذهبتم أيضاً إلى حلول مالية وإدارية غير تقليدية.
توفيق هدنة
نعم. حين تُعلن مناقصة غير مجدية، الحل ليس التمسك بدراسة خاطئة، بل اختيار المشروع المناسب. كنت مستعداً لتخفيض أتعابي، بل وتعويض جزء من الكلفة عبر امتياز مؤقت في التسيير. هذا يخفف عبء التسيير عن البلدية، ويضمن تسييراً مهنياً شفافاً، ويُدخل منهجاً حديثاً في إدارة الأسواق.
المحاور
لماذا تضعون “التسيير” في قلب النقاش؟
توفيق هدنة
أن أزمة الأسواق في سطيف إدارية قبل أن تكون معمارية. خذوا مثال Park Mall: بغضّ النظر عن الملاحظات المعمارية أو التجارية، فإن طريقة التسيير هناك تنتمي إلى مستوى مختلف تماماً. المكان يعمل وفق قواعد واضحة، ومسؤوليات محددة، وتنظيم يومي صارم، وهذا ما يمنع الفوضى ويضمن الاستمرارية. أسواقنا، للأسف، لا تُدار بهذه العقلية.
لقد صمّمت أسواقاً، وأعدت تنظيم أخرى، ووضعت لها منظومات تسيير حديثة تقوم على: تنظيم الاستعمالات، شفافية توزيع الأماكن، تتبّع النشاط، ومراقبة دائمة. بناء سوق دون منظومة تسيير واضحة هو تحضير لفشل مستقبلي، مهما كان مستوى التصميم أو جودة التنفيذ. أنا لا أقدّم مبنى فقط، بل مرفقاً ومنهجاً. وهذا هو الفارق الحقيقي.
المحاور
كيف كان استقبال مقترحكم؟
توفيق هدنة
كانت هناك إشارات قبول من منتخبين ومن مواطنين. الصور التي قدّمتها ساعدت على تهدئة التجار بعد الحريق. لكن رسمياً، تم تجاهل المقترح، والاستمرار في دراسة ضعيفة ومناقصات غير متناسقة، فبقي الملف مكانه.
المحاور
خلاصة موقفكم اليوم؟
توفيق هدنة
السوق المغطّى ليس فشلاً تقنياً فقط، بل فشل في المنهج وفي الحوكمة وفي الجرأة على القرار. كان يمكن إعادة بنائه منذ زمن. ليست المشكلة في الإمكانات، بل في الاختيارات.
